الجاحظ

125

الحيوان

717 - [ قسوة الحمام ] قال : وباب آخر من لؤمه : القسوة ، وهي ألأم اللّؤم ؛ وذلك أن الذّكر ربّما كان في البيت طائر ذكر قد اشتدّ ضعفه ، فينقر رأسه والآخر مستخذله ، قد أمكنه من رأسه خاضعا له ، شديد الاستسلام لأمره ، فلا هو يرحمه لضعفه وعجزه عنه ، ولا هو يرحمه لخضوعه ، ولا هو يملّ وليس له عنده وتر . ثمّ ينقر يافوخه حتى ينقب عنه ، ثمّ لا يزال ينقر ذلك المكان بعد النّقب حتى يخرج دماغه فيموت بين يديه . فلو كان ممّا يأكل اللّحم واشتهى الدماغ كان ذلك له عذرا ؛ إذ لم يعد ما طبع اللّه عليه سباع الطير . فإذا رأينا من بعض بهائم الطير من القسوة ما لا نرى من سباع الطير لم يكن لنا إلّا أن نقضي عليه من اللؤم على حسب مباينته لشكل البهيمة ، ويزيد في ذلك على ما في جوارح الطير من السّبعية . 718 - [ أقوال لصاحب الديك في الحمام ] وقال صاحب الديك : زعم أبو الأصبغ بن ربعيّ قال : كان روح أبو همام صاحب المعمّى ، عند مثنّى ابن زهير ، فبينما هو يوما وهو معه في السطح إذ جاء جماعة فصعدوا . فلم يلبث أن جاء آخرون ، ثمّ لم يلبث أن جاء مثلهم ، فأقبل عليهم فقال : أيّ شيء جاء بكم ؟ وما الذي جمعكم اليوم ؟ قالوا : هذا اليوم الذي يرجع فيه مزاجيل الحمام من الغاية . قال : ثمّ ما ذا ؟ قالوا : ثمّ نتمتّع بالنّظر إليها إذا أقبلت . قال : لكنّني أتمتّع بتغميض العين إذا أقبلت ، وترك النّظر إليها ! ! ثمّ نزل وجلس وحده . 719 - [ التلهّي بالحمام ] وقال مثنّى بن زهير ذات يوم : ما تلهّى النّاس بشيء مثل الحمام ، ولا وجدنا شيئا مما يتخذه النّاس ويلعب به ويلهى به ، يخرج من أبواب الهزل إلى أبواب الجدّ - كالحمام - وأبو إسحاق حاضر - فغاظه ذلك ، وكظم على غيظه . فلمّا رأى مثنّى سكوته عن الردّ عليه طمع فيه فقال : يبلغ واللّه من كرم الحمام ووفائه ، وثبات عهده ، وحنينه إلى أهله ، أنّي ربّما قصصت الطّائر وبعد أن طار عندي دهرا ، فمتى نبت جناحه كنباته الأوّل ، لم يدعه سوء صنعي إليه إلى الذّهاب عنّي . ولربّما بعته